Sunday, May 16, 2010

دراما





اليوم السادس عشر 


*** 




أتبادر إلى ذهنك أحيانا ، أليس كذلك ؟ تبتسم في مكر و تتمنع على أصدقائك المتسائلين عن مصدر الابتسام . تتحسس أناملك . ثم تكمل حديثك الصاخب . دائما أعبر بين لحظة و أخرى في ذاكرتك و استدعي معي بعض الأوام . دائما . الخيط الذي يربط بين روحين مثلا . أو القرينين الذين إلتقيا بعد تشتت . أو الرغبات المتطابقة و الجرعات التلقائية المتناسبة . ثم أتلاشى . و تنطوي اللحظتان كل على الأخرى . أو تنكفئان على نقطة  سوداء وهمية ربما تتطابق معي بعد زمن أو أتطابق معها في ذاكرتك المستعصية عليك . هذا إذن ما تبقى مني : بين التفاصيل تتسرب أشياء أتسرب بينها حتى أنقضي تماما . فنفلح في عبور مرحلة زمنية كاملة و نمتنع عن اللحظات ، و هكذا نكون أبناءا بارين جدا لهذا العصر .




قواعد اللعبة تقول أننا سوف نلتقي , نتبادل حديثا عابرا . و في المرة التالية يسأل كل منا الآخر عن سنه و برجه الفلكي و ربما الحي الذي يقطنه و يطلق نظرة شاملة على المنظر . سوف يحدث أن نستخدم الفكاهات الشبابية استخدامات ماهرة و نتأكد أن الطريق ممهد . سوف نتعرف قليلا التجارب السابقة لكل منا و مستواه الإقتصادي . ثم بعض الثرثرة في المرات القليلة التالية عن الحب و الأحلام الوردية و الأصدقاء الخونة و المجتمع القبيح حتى يصبح الوقت مناسبا كي تتلامس أيدينا دون حرج ، فنلتهم ـ في أناقة أو هرج ـ بقية الأذرع و الأكتاف و الصدور ... إلى آخره . و نرتاح بعض الشئ . ثم نطرق إلى رغبات أكثر جنونا ، و نحاول أن نمسك العصا من النصف : لأني أود أن أعطي إنطباعا جيدا بكوني عذراء فاضلة ، و لأنك لا تريد أن تبدو كالصبي الذي يود لو يلتهم الكعكة كلها مرة واحدة . نتحايل على تقاليدنا و نمرر عديدا من الأوراق من تحت المائدة . حتى نسقط من الإعياء و من عجزنا عن مجاراة الرغبات التي تأكلنا و اللعبة التي تتغذى علينا . نتخاذل . و ندعي أمام الآخرين مشكلات ملفقة . و شيئا فشيئا تسأمنا اللعبة و تستعصي علينا الرغبة فنتحدث عن قيمة الصداقة و أهمية التجربة و ثمن النضوج . و تتسلل عيوننا إلى أركان النوافذ لنبحث عن أتربة أخرى نتدثر بها . و ننهي المسألة حسب قواعدها ، في أناقة أو هرج . و يسرح كل منا مخفيا ضحكاته أو سخريته أو مكره . و نعاود الكرة كي نتقن اللعبة أكثر أو كي نتفوق عليها . نتلاعب بأنفسنا . بأجسادنا . برغباتنا . لأنها الأشياء الوحيدة المتاحة لدينا . نفنح صدرنا للإنكسار اليومي و ننهش بأظافرنا في جلودنا لنمنحه قوت يومه . أو لنكتب أسماءنا على الجدار الصلب الذي ترتطم به رؤوسنا الواحد تلو الأخر في نهاية كل يوم . ننتهي إلى الشيخوخة و نحن في مقتبل العمر و نقضي أمسياتنا في التطاول على الدولة و النظام و الأجيال السابقة حتى لا تواجهنا إخفاقاتنا . و نثأثئ و نشرد . و نصمت . ثن نكف نهائيا عن الحياة و نحقق النهاية المرجوة . في أناقة أو في هرج .


أتبادر إلى ذهنك أحيانا ، أليس كذلك ؟ و تتبادر أنت إلي كذلك . بلمساتك الحانية و الفحولة التي كنت تأملها . بالخواء الذي جاورتني فيه و الآمال التي إبتعنا منها العديد . تتسرب إلي أنت أيضا : من بشرة أطفال الليل الوحداء الذين يترسبون في أرصفة وسط المدينة . من ضحكات الرجال الخشنة عن امرأة خبروها جيدا كتلك التي تتسرب إليك بين اللحظات . و ادلف من جديد إلى داخل اللعبة . و أدمنها . و أبذل المطلوب حتى أتخدر تماما بها فلا أدرك تفاصيل ولا يدركني سأم . أحتفظ بالخطوط الخارجية و أبدل الملامح و الألوان وفق الموضة السائدة . أتشبه بشارون ستون أو بشريهان . أرتدي الملابس الضيقة أ الكاشفة أو الحاجبة للضوء . و أتعلم جيدا كيف أكون المرأة ذات الألف وجه . أكذب بخصوص سني و وزني و عدد الرجال الذين عرفتهم . بينما تتباهي بأعداد النساء الهائلة في حياتك  و الأرقام القياسية التي حققتها و أنت تبدي النصح إلى الذكور من أصدقائك  . أتدل أنا كالعادة و تقوم أنت بدور الفارس المغوار معي أو مع امرأة أخرى . و نبدل الوجوه . و نرتجل . و نستنفد أعمارنا حتى يهدأ بالنا . و نحكي عن مغامرات الصبا و الشباب من على مقاعد الشيخوخة . أو تلقي بالأوامر الصارمة في نبرة حكيمة حتى نختتم اللعبة بأداء مؤثر فنضمن تصفيقا منقطع النظير ...




أتبادر إلى ذهنك أحيانا ، أليس كذلك ؟ لا تقلق إذن ، فلن يطول الأمر كثيرا . و قريبا نندمج أكثر و أكثر ، و تبتلعنا اللعبة .




 قريبا جدا نصبح أبناءا بارين جدا لهذا العصر .




قصة دراما 
للكاتبة و المخرجة نورا أمين
من المجموعة القصصية المعنونة بحالات التعاطف 
صادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1998

No comments: