Saturday, February 24, 2007

فنجان من الغيب المحوج



أعشق المجهول ، و أعشق البن المحوج ، فكيف لى أن أقاوم امتزاجهما فى فنجان قهوة يرتشف خيوط الغيب ؟
أعشق المجهول ، و أعشق البن المحوج ، فكيف لى ألا أمتثل لأوامر عرافة زائعة الصيت ، فى قلب موازيين الكون و حقائق القلوب ، اختارتنى من دون كل نساء الجلسة ، لتكشف عنى الحجاب ، و تطلقنى فضيحة معلنة الأسرار ؟
نظرت العرافة إلى من بعيد .. ارتعشت ذبذبات الهواء .. ارتبكت الرشفة الأخيرة
سألت العرافة : " من تكون تلك الصامتة الشاردة ذات الشعر الأسود المسافر فى كل اتجاه ؟ من تكون تلك المختبئة وراء الثوب الأسود المرصع بآخر حكمة مرسلة إلى البشر ؟
فى ثقة سهلة ممتنعة ، بإشارة واحدة من يدها اليمنى المحاطة بأساور من ذهب ، طللبتنى كمن أصابتها مس من السحر ، ذهبت طوع إشارة من يدها . و كيف كان لى البقاء حيث أنا ؟ و هى العرافة ما استحضرت غيبا ً ، إلا و جاءها راكعاً ، يتوسل أن تفتح أبوابه السرية ، و ما لمست فنجاناً إلا و استسلمت شفراته بين يديها المنقوشتين بالحناء
جلست بجانبها

أرسلت نظرة نفذت من أعماقى إلى فنجان قهوتى
قالت : كلهن طلبن أن أقرأ لهن الفنجان إلا إنتِ . كلهن يثرثرن ، يضحكن ، يدخن إلا أنتِ . كل منهن بصحبة أحد إلا أنتِ
اقتربت أكثر و سألتنى : من أنتِ ؟

قلت : امرأة وحيدة تعشق المجهول و البن المحوج
قالت : و تعشق اللون الأسود
ترد ابتسامتى : نعم
أصبحت نظراتها أكثر عمقا : منذ زمن و أنا أبحث عنكِ

تسألها دهشتى دون كلام : عنى أنا ؟
تقول العرافة : نعم يا ابنتى . فمنذ زمن و أنا أبحث عن أخر عاشفات الوحدة و اللون الأسود

تشرد لحظات و تستطرد : يطلبنى الجميع لكشف خبايا الغيب . لم يحدث أبداً أن طلبت قراءة أسرار أحد . معك أنتِ يا ابنتى لا مفر ولا اختيار . منذ زمن و أنا أبحث عن غيب أستأذنه . منذ زمن و أنا أبحث عن فنجان أرجوه
ناولتها فنجانى
قالت العرافة : لا ، ليس هنا . لست أنتِ بالتى تكشف أسرارها وسط العيون . حتى لو حاولت ، فنجانك عنيد لن يستسلم
أخذت يدى دخلنا إلى ممر طويل معتم لا يضيئه إلا نور عينيها ، و بريق دهشتى . و انتهينا إلى حجرة خافتة الضوء ، تفوح منها رائحة البخور ، و رائحة المجهول حين يشتاق إلى أن يصبح معلوماً
تسللت العرافة ـ ذائعة الصيت فى قلب موازيين الكون و حقائق القلوب ـ إلى فنجان قهوتى . بقيت هنا . انتظرتها ، لا يؤنسنى إلا شدو الكروان ، و عشم فى رحمة الغيب
خرجت العرافة من بقايا فنجان البن المحوج الملتصق بفنجان قهوتى .. يتصبب منها العرق

قالت العرافة : اسمك ذروة الأحلام .. عقلك كالهواء مخاطر أبداً فى الأجواء .. قلبك يا ابنتى كالماء ، الإمساك به درب من المحال
وحيدة أنتِ و ستظلين حتى الرمق الأخير . أميرة أنتِ بالفطرة ، لكنك ـ عكس كل الأميرات ـ لا تنتظرين الأمير . أنتِ فى عشق محرم مع " البحر" ، من أجله تتحملين مشقة الأسفار و لوم البشر ، من أجلك لا يبالى بغضب الموج ، أو احتجاج الأسماك

أمامك سكة سفر على قضبان من حنين . تعودين منها فى ليلة قمرية ، النفس هادئة ، و المحال أسير
سيحبك رجال كثيرون . كلهم يا ابنتى مخطئون . فأنتِ لا تبحثين عن الحب . عن الدهشة تبحثين ، عن الخطر و عن الجنون . هذا قدرك يا ابنتى إياك منه و الهروب ستعيشين و تموتين بكراً . حتى لو عاشرتِ رجال الأرض ، و تزوجت ألف مرة ، فسوف تزفين إلى السماء زهرة عذراء ، خضراء واقفة مثل الأشجار . ليس لك أعداء إلا غرور البشر ، و تفاهات الناس . لا تخافين إلا أصواتهم الخشنة ، و عقولهم الهشة ، و ليس لك أصدقاء يا ابنتى إلا زهور البنفسج ، اللون الأسود ، و همس الدهشة

ميلادك كان فى الخريف .. لكن رحيلك شتاء .. تلهثين إلى الفرح .. تلهثين أكثر إلى البكاء
عمرك يا ابنتى قصير ، فلا تضيعيه فى التردد و الحلم ، لا تهدريه فى الإنشغال بما ليس لك عليه حكم
تذرعى بالصبر يا ابنتى .. ففى الأفق الرمادى البعيد ، جرح لا يلتئم و أحزان لها من العمر ألف عام
الفرح خطيئة نبيلة لا تهبك أسرارها إلا حين تمسكين بالقلم و تَخُطين على الورق نفسك الأخرى فى عالم آخر
رحلت العرافة ذائعة الصيت فى قلب موازيين الكون و حقائق القلوب

ترى ، هل مازالت أعشق المجهول و البن المحوج ؟


النص للكاتبة / منى حلمى

2 comments:

Reem said...

فى هذا النص وجدت نفسى الحقيقية

هذه العرافة كانت تتحدث عنى

***

سيحبك رجال كثيرون . كلهم يا ابنتى مخطئون . فأنتِ لا تبحثين عن الحب . عن الدهشة تبحثين ، عن الخطر و عن الجنون . هذا قدرك يا ابنتى إياك منه و الهروب ستعيشين و تموتين بكراً . حتى لو عاشرتِ رجال الأرض ، و تزوجت ألف مرة ، فسوف تزفين إلى السماء زهرة عذراء ، خضراء واقفة مثل الأشجار . ليس لك أعداء إلا غرور البشر ، و تفاهات الناس . لا تخافين إلا أصواتهم الخشنة ، و عقولهم الهشة ، و ليس لك أصدقاء يا ابنتى إلا زهور البنفسج ، اللون الأسود
و همس الدهشة

***

عرفتنى

و شرحتنى

عفوك أيتها العرافة
و لكنى أريد الموت

Ihab the 2nd said...

الذكريات تعصف برأسي الي درجة انني اتذكر شيئا لم نعد نذكره ابدا
رد لك هنا .. بني علي محادثة من تلك التي كنت اجابهك فيها بحقيقة ما تذهبين اليه
لا يا هبه
الحمد لله ان الموت و ان كان قضاء الله الا انه و الحمد لله لم يعد امنية الخلاص
و العروستي باذن الله سوف تذف لمنزلنا و لن تذف الي السماء
و سوف تقضي سويا اروع ايام البشر منذ الازل باذن الله تعالي
اعبدك
ايهاب